|
من أعجب ماسمعت ... مرقة بقرة علي القرقبي ...
بقلم د/م*مد بن أ*مد الرشيد
الأعمال الكبيرة ت*تاج إلى همم كبيرة، مع رغبة صادقة في التعامل مع المواقف بصدق وإخلاص. .
قال: بداية القصة كانت *ين كلفت بتدريس مادة القرآن الكريم والتو*يد للصف الثالث الابتدائي قبل نهاية الفصل الدراسي الأول بشهر وا*د، *ينها طلبت من كل تلميذ أن يقرأ، *تى أعرف مستواهم، وبعدها أضع خطتي *سب المستوى الذي أجده عندهم.
فلما وصل الدور إلى أ*د التلاميذ وكان قابعاً في آخر زاوية في الصف، قلت له اقرأ.. قال الجميع بصوت وا*د (ما يعرف، ما يعرف يا أستاذ)؛ فآلمني الكلام، وأوجعني منظر الطفل البريء الذي ا*مر وجهه، وأخذ العرق يتصبب منه، دق الجرس وخرج التلاميذ للفس*ة، وبقيتُ مع هذا الطفل الذي آلمني وضعه، وتكلمت معه، أناقشه، لعلي أساعده، فاتض* لي أنه م*بط، وغير واثق من قدراته، *تى هانت عليه نفسه؛ لأنه يرى أن جميع التلاميذ أ*سن منه، وأنه لا يستطيع أن يقرأ مثلهم، ذهبت من فوري، وطلبت ملف هذا الطفل؛ لأطلع على *الته الأسرية، فوجدته من أسرة ميسورة، ويعيش مع أمه، وأبيه، وإخوته، وبيته مستقر، واستنتجت بعدها أن الدمار النفسي الذي يسيطر عليه ليس من البيت والأسرة، بل إنه من المدرسة، ويرجع السبب *تماً إلى موقف م*رج عرض له من معلم، أو زميل صده بعنف، أو تهكم على إجابته، أو قراءته، شعر بعدها بهوان النفس والإ*باط، وأخذت المواقف الم*رجة والإ*باطات تتراكم عليه في كل *صة من المعلمين والزملاء، عندها فكرت جدياً في انتشال هذا الطفل مما هو فيه، خاصة وأنني أعرف ب*كم الخبرة مع الأطفال أن كل ذكي *ساس، وكل ذكي مرهف المشاعر، ولا يدافع عن نفسه، ولا يدخل في مهاترات قد يكون بعدها أكثرخسارة.
وبدأت معه خطتي، بأن غيرت مكان جلوسه، وأجلسته أمامي في الصف الأول، وقررت أن أعطي هذا التلميذ تميزاً لا يوجد إلا فيه و*ده، ليت*دى به الجميع، وعندها تعود له ثقته بنفسه، ويشعر بقيمته وإنسانيته بين زملائه، خاصة بعد أن عرفت قوة ذكائه.
كتبت له جملة صعبة النطق، وأفهمته معاني كلماتها، *تى يتخيلها فيسهل عليه *فظها. كنا نرددها ون*ن صغار، كتبتها على ورقة صغيرة، ووضعت عليها ال*ركات، وقلت له: ا*فظ هذه الجملة غيباً بسرعة، ولا يطَّلع عليها أ*د من أسرتك، ولا من زملائك، وراجعتها معه خلسة عن أعين التلاميذ *ين خرجوا إلى الفس*ة، إذ لم يكن هو *ريصاً على الفس*ة، لأنه ليس له صا*ب ولا رفيق، وكنت قد عودت تلاميذي على أن أروي لهم قصة في نهاية كل *صة شريطة أن يؤدوا كل ما أكلفهم به من *فظ وواجبات، وإذا تعثر بعضهم أو أ*دهم في ال*فظ أو الواجب منعت عنهم القصة، ليساعدوا زميلهم المتعثر في *فظه، أو واجبه، ويعاتبوه لأنه ضيَّع عليهم القصة. بعدها التزم الجميع بواجباتي لهم؛ *فاظاً على رضاي، وتشوقاً إلى استمرار القصة.
وفي أ*د الأيام، وبعد أن قام الجميع بالتسميع طلبوا مني إكمال قصة الأمس، فقلت لهم: إلى أين وصلنا فيها؟ قالوا: وصلنا عند السيدة *ليمة السعدية مرضعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في ديار بني سعد، ماذا *دث بعد ذلك؟ فقلت لهم: لن أكملها لكم اليوم، فتساءلوا جميعاً: لماذا يا أستاذ؟ كلنا أدينا التسميع والواجبات!
قلت لهم: عندي قصة جديدة، أرويها لكم اليوم فقط، وغداً نعود لإكمال قصة الرسول م*مد - صلى الله عليه وسلم - قالوا وما هي؟ فسردت عليهم قصة من خيالي، من أجل أن أُدخل فيها الجملة الصعبة التي *فظها ذلك الطالب وفهمها سلفاً، وقلت لهم: إن هناك جماعة يسكنون قرية وا*دة يقال لهم (القراقبة)، كانوا ي*تفلون بعيد الأض*ى، ويذب*ون فيه البقر، ويتفاخرون بذبائ*هم، *تى أن كل وا*د منهم يربي بقرته من شهر ال*ج إلى شهر ال*ج سنة كاملة، يغذيها بأجود الأعلاف، *تى تكون سمينة، وكان عند (علي القرقبي) بقرة يربطها أمام باب بيته في القرية، وكانت أكبر وأسمن بقرة في القرية كلها، والكل يتمنون متى يأتي ال*ج، وتذب* هذه البقرة، ليشربوا من مرقها، ويأكلوا من ل*مها.
ولكن المشكلة أن أهل القرية عندهم عادة هي أنهم إذا ذب*وا الأضا*ي يطبخون رقابها، ويضعون المرق في أوانٍ، تجمع في المكان الذي يتعايدون فيه، فدخل الشباب وأخذوا يتذوقون المرق من كل إناء، فصا* أ*دهم مفتخراً بذكائه: عرفتها، عرفتها، فقالوا له: ماذا عرفت؟
قال: (أنا عرفت مرقة رقبة بقرة علي القرقبي من بين مراق رقاب أبقار القراقبة)
وبعد هذه العبارة قلت لتلاميذي: من الذكي الذي يعيد هذه العبارة، فتفاجأوا جميعاً، وطلبوا مني إعادتها، فأعدتها لهم، وقلت: من الذكي الذي يعيدها؟ ف*اول رائد الصف، والذين يشعرون في أنفسهم بالتميز، فلم يستطيعوا إعادة *تى ثلاث كلمات منها، فقلت لهم: هذه لا يستطيع أن يقولها إلا ذكي فهم معناها، أين الذكي فيكم؟ والذي يريد المشاركة أطلب منه الخروج عند السبورة ومواجهة زملائه، وأنا أنظر إلى هذا التلميذ، فإذا نظرت إليه يخفض يده؛ لأنه يخشى الإخفاق، فثقته بنفسه معدومة، خاصة أنه رأى فلاناً وفلاناً من الذين يشار إليهم بالبنان يتعثرون، وأين هو من هؤلاء الذين أخفقوا؟ وإذا أعرضت عنه ألم*ُ أنه يرفع إصبعه عالياً. وبعد أن عجز الجميع طلبت من هذا الصبي:
1- أن يقول الجملة وهو جالس في مكانه، وذلك لخوفي عليه إذا خرج ونظر إلى التلاميذ أن يصيبه البكم الاختياري، من شدة خجله و*ساسيته، فقالها وهو جالس على كرسيه؛ فصفقت له، وإذا بي أنا الو*يد المصفق، وكأن التلاميذ لم يصدقوني، لأنه قالها بصوت خافت، علاوة على أن التلاميذ لم يلقوا له بالاً.
2- طلبت منه إعادتها مرة ثانية، ولكن أمرته بالوقوف في مكانه، مع رفع الصوت، وابتسمت في وجهه، وقلت له: أنت البطل، أنت أذكى من في الفصل، فقام وأعاد الجملة، ورفع صوته، فصفقت له أنا ومن *وله من التلاميذ، فقال الآخرون: قالها يا أستاذ! قلت نعم، لأنه ذكي.
3- الآن وثقت من هذا التلميذ العجيب بعد أن *مسته، وشجعته، وظهر لي ذلك في نبرات صوته. فقلت: أخرج أمام السبورة، وقلها مرة أخرى، وأخذت أش*ذ همته وشجاعته، أنت الذكي، أنت البطل، فخرج وقالها والجميع منصتون، ويستمعون في ذهول.
4- ثم طلب مني التلاميذ أن آمره بأن يعيدها لهم.. فرفضت طلبهم، وقلت لهم: اطلبوا أنتم منه. وهدفي من ذلك أولاً: أن أشعرهم أنه أ*سن منهم، وأنه ذكي، وثانياً: *تى يثق هو بنفسه، وأن التلاميذ يخطبون وده، وأنه مهم بينهم، وثالثاً: أن الفهم الذي عنده ليس عند غيره، وأن التلعثم وتقطيع الكلام الذي كان يصيبه أصاب جميع زملائه في هذا الموقف.
5- وطلبوا منه الإعادة مرة أخرى، فأخذت بيده، وقلت لهم أتعبتموه وهو يعيد لكم وأنتم لا ت*فظون، ولا تفهمون، لأنني على ثقة أنهم سيطلبون إعادتها منه مرات كثيرة، فتركت ذلك له *تى يزداد ثقة بنفسه.
6- دق جرس انتهاء ال*صة، وجاء وقت النزول إلى فناء المدرسة للفس*ة، فلم يخرجوا من الصف إلا بهذا الطالب معهم، وأخذوا ينادونه باسمه، وكوّنوا كوكبة تمشي وهو يمشي بينهم كأنه قائد، أو لاعب كرة ي*مل الكأس، والفريق من *وله، فخرجت خلفهم، وشاهدت التلاميذ ينادون إخوانهم وأصدقاءهم في الصفوف العليا، ويجتمعون *ول هذا الطالب النجيب وهو يعيد لهم، وهم يرددون خلفه، وهو يص** لهم، وكثر أصدقاء هذا الولد وجلساؤه بعد أن كان نسياً منسياً، ووثق بنفسه، وفي هذا اليوم نفسه طلبت منه أن يعرض هذه الجملة على أبيه وأمه، وإخوته، وجميع معارفه، وأن يت*داهم بإعادتها، وما هو إلا أسبوع وا*د وجاءت إجازة نصف العام، وهنا ينبغي التنويه إلى أن *فظ تلك العبارة جاء نتيجة الفهم لمعناها. إذ إن عدم إدراك مفهوم كل كلمة فيها سيجعل *فظها *فظاً ببغاوياً، وهو ما ليس ينشده التربويون.
وبعد الإجازة جاء والده إلى المدرسة، ولأول مرة أقابله، فقال: جزاك الله خيراً يا أستاذ، بارك الله لك في أولادك، جزاء ما فعلت مع ولدي، وقال: لقد سألني الأقارب الذين زارونا في الإجازة: من هو الطبيب الذي عالجت عنده ولدك، إذ كنا نعرفه يتهته في كلامه، خجولاً منطوياً على نفسه، والآن ت*دى الكبار والصغار رجالاً ونساءً، وت*داهم بإعادة جملة صعبة، عجزنا ن*ن أن نرددها بعده، فقلت لهم إنه معلمه عوض الزايدي، جزاه الله خيراً.
واستمرت علاقتي بالأب *تى الآن، وأخذ يخبرني عن ولده، وأنه انطلق بعد هذه القصة العلاجية و*قق ما لم يكن متوقعاً أبداً:
1- *فظ القرآن الكريم *املاً، وأصب* عضواً فاعلاً في نشاطات الجماعة ور*لاتها.
2- تخرج في الثانوية العامة القسم العلمي بامتياز، *يث *قق 96% في المجموع الكلي للدرجات.
3- الت*ق بالجامعة قسم الرياضيات، وفي كل سنة دراسية كان ينال الكثير من شهادات الشكر والثناء والتميز، *تى أنه تخرج بامتياز مع مرتبة شرف.
4- عُين معيداً في إ*دى الكليات بجامعاتنا.. وعلمت أنه *صل على قبول للدراسات العليا في وا*دة من أعرق الجامعات العالمية، ولا يزال المستقبل الواعد ينتظره بالكثير، خاصة أنه ذاق *لاوة تميزه.
هذا ... وإني لعلى يقين من أن أ*داث هذه القصة الكبيرة جداً.. العظيمة أثراً لا ت*تاج إلى تعليق، أو في *اجة إلى ثناء وتقدير للمعلم الذي هو بطلها، وفاعل *قيقي لأ*داثها، وإني لأدعو الكُتَّاب إلى تلمس مثل هذه النجا*ات وإبرازها، وعدم الإقلال من شأنها؛ لأن لها مردودها العظيم على الأجيال كلها، كما عرفنا. هكذا تكون التربية الناجعة، وهكذا المربي الم*لق الناج*.
وفقنا الله جميعاً إلى الخير والصواب، والأخذ بأسباب القوة مهما غلا ثمنها، اللهم اجعل صدورنا سليمة معافاة، وأمدنا يا ربنا بتأييد من عندك وتسديد
آخر تعديل سارية يوم
06-24-2008 في 07:24 PM.
|